القاضي عبد الجبار الهمذاني
381
شرح الأصول الخمسة
وربما قالوا : إن ما أتى به الأنبياء لا يخلو ، إما أن يكون موافقا للعقل ففي العقل غنية عنه وكفاية ، أو مخالفا له ، وذلك ما يوجب أن يرد عليهم وأن لا يقبل منهم . وربما قالوا : إنه تعالى إذا بعث إلينا رسولا فلا بد من أن يظهر عليه علما معجزا دالا على نبوته ليكون فرقا بينه وبين المتنبي ، ولا يمكننا أن نميز بين المعجز والحيلة بوجه ، لأنه ما من معجز إلا ويجوز أن يكون من باب الشعوذة وخفة اليد وما جرى مجراها ، فيجب أن لا يقبل قولهم ويعتمد على العقول . والأصل في هذا الباب أن نقول : إنه قد تقرر في عقل كل عاقل وجوب دفع الضرر عن النفس ، وثبت أيضا أن ما يدعو إلى الواجب ويصرف عن القبيح فإنه واجب لا محالة ، وما يصرف عن الواجب ويدعو إلى القبيح فهو قبيح لا محالة ، إذا صح هذا ، وكنا نجوز أن يكون في الأفعال ما إذا فعلناه كنا عند ذلك أقرب إلى أداء الواجبات واجتناب المقبحات ، وفيها ما إذا فعلناه كنا بالعكس من ذلك ، ولم يكن في قوة العقل ما يعرف به ذلك ويفصل بين ما هو مصلحة ولطف وبين ما لا يكون كذلك ، فلا بد من أن يعرفنا اللّه تعالى حال هذه الأفعال كي لا يكون عائدا بالنقص على غرضه بالتكيف . وإذا كان لا يمكن تعريفنا ذلك إلا بأن يبعث إلينا رسولا مؤيدا بعلم معجز دال على صدقه فلا بد من أن يفعل ذلك ، ولا يجوز له الإخلال به ، ولهذه الجملة قال مشايخنا : إن البعثة متى حسنت وجبت على معنى أنها متى لم تجب قبحت لا محالة ، وأنها كالثواب في هذا الباب ، فهو أيضا مما لا ينفصل حسنه عن الوجوب ، فهذا فصل . فصل آخر وهو أن تعلم أن الأفعال ما من شيء منها إلا ويجوز أن يقع على وجه فيحسن ، وعلى خلاف ذلك الوجه فيقبح ، وأما أن نحكم على فعل من الأفعال بالقبح والحسن بمجرده ، فلا . إذا أثبت هذان الأصلان بطل قول من قال : إن هؤلاء الرسل إن أتوا بما في العقل ففي العقل كفاية عنهم ، وإن أتوا بخلافه فيجب أن يكون قولهم مردودا عليهم غير مقبول منهم ، لأن ما تأتي به الرسل والحال ما قلناه ، لا يكون إلا تفصيل ما تقرر جملته في العقل ، فقد ذكرنا أن وجوب المصلحة وقبح المفسدة متقرران في العقل ، إلا أنا لما لم يمكنا أن نعلم عقلا أن هذا الفعل مصلحة وذلك مفسدة ، بعث اللّه تعالى